فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا}
واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته، لأن خروجهم معه يوجب أنواعًا من الفساد.
فقال: {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَّائِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} قوله: {فَإِن رَّجَعَكَ الله} يريد إن ردك الله إلى المدينة، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعًا كقولك رددته ردًا.
وقوله: {إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين.
وقوله: {فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ} أي للغزو معك {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} إلى غزوة، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان، كان ذلك تصريحًا بكونهم خارجين عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذرًا من مكرهم وكيدهم وخداعهم، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جاريًا مجرى اللعن والطرد، ونظيره قوله تعالى: {سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} [الفتح: 15] إلى قوله: {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} [الفتح: 15] ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ} والمراد منه القعود عن غزوة تبوك، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم، فعند ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفت إليكم، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب الكشاف، وهو أن قوله: {مَرَّةٍ} في {أَوَّلَ مَرَّةٍ} وضعت موضع المرات، ثم أضيف لفظ الأول إليها، وهو دال على واحدة من المرات، فكان الأولى أن يقال أولى مرة.
وأجاب: عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال: هند أكبر النساء، ولا يقال هند كبرى النساء.
ثم قال تعالى: {فاقعدوا مَعَ الخالفين} ذكروا في تفسير الخالف أقوالًا: الأول: قال الأخفش وأبو عبيدة: الخالفون جمع.
واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل في قومه، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون، والثاني: أن الخالفين مفسر بالمخالفين.
قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفًا.
وقال الأخفش: فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفًا لهم.
وقال الليث هذا الرجل خالفة، أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، فإذا جمعت قلت الخالفون.
والقول الثالث: الخالف هو الفاسد.
قال الأصمعي: يقال: خلف عن كل خير يخلف خلوفًا إذا فسد، وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد.
وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة: فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات.
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشددًا فيه مبالغًا في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه، وأن يحترز عن مصاحبته. اهـ.

.قال السمرقندي:

{فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} يعني: إن رجعك الله من تبوك إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا {فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أُخرى.
{فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} إلى الغزو، {وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا}.
ويقال: معناه لن تخرجوا إلاّ مطوعين من غير أن تكون لكم شركة في الغنيمة.
{إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ}، بالتخلف عن غزوة تبوك، {فاقعدوا مَعَ الخالفين}، يعني: مع المتخلفين الذين تخلفوا بغير عذر؛ ويقال: الخالف الذي يخلف الرجل في أهله وماله؛ ويقال: الخالف الذي خالف قومه؛ ويقال: الخالف الفاسد؛ ويقال: الخالف المرأة، والخوالف النساء. اهـ.

.قال الثعلبي:

{فَإِن رَّجَعَكَ الله} رجعك الله من غزوة تبوك {إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} يعني من المخلّفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلّف عن تبوك كان منافقًا {فاستأذنوك} في أن يكونوا في غزاة أخرى {فَقُلْ} لهم {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} عقوبة لهم على تخلّفهم {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ} بمعنى تخلّفوا عن غزوة تبوك {فاقعدوا مَعَ الخالفين} قال ابن عباس: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر.
الضحاك: النساء والصبيان والمرضى والزمنى، وقيل: مع الخالفين.
قال الفراء: يقال: عبد خالف وتخالف إذ كان مخالفًا، وقيل: (ضعفاء) الناس ويقال: خلاف أهله إذ كان ذويهم، وقيل مع أهل الفساد من قولهم: خلف الرجل على أهله يخلف خلوفًا إذ فسد، ونبيذ خَالِفٌ أي فاسد (من قولك): خلف اللبن خلوفًا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فَمُ الصائم إذا تغيَّرت ريحه، ومنه خلف سوء، وقرأ مالك بن دينار: مع المخالفين. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {... إِنَّكُم رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}
فيه قولان:
أحدهما: أول مرة دعيتم.
الثاني: يعني قبل استئذانكم.
{فَاقْعُدُاْ مَعَ الْخَالِفِينَ} فيهم قولان:
أحدهما: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن وقتادة.
الثاني: هم الرجال الذين تخلفوا بأعذار وأمراض، قاله ابن عباس. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} الآية.
{رجع} يستوي مجاوزه وغير مجاوزه، وقوله تعالى: {إن} مبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وسواه وأيضًا فيحتمل أن يموتوا هم قبل رجوعه وأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، بأن يقول لهم {لن تخرجوا معي}، هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده كالجمل الأجرب، وقوله: {إلى طائفة} يقتضي عندي أن المراد رؤوسهم والمتبوعون، وعليها وقع التشديد بأنها لا تخرج ولا تقاتل عدوًا، وكرر معنى قتال العدو لأنه عظم الجهاد وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ولولا تخصيص الطائفة لكان الكلام فإن رجعك الله إليهم، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعينهم الله، وقوله: {وماتوا وهم فاسقون} ونص في موافاتهم، ومما يؤيد هذا ما روي أن ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عينهم لحذيفة بن اليمان وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها.
وروي عن حذيفة أنه قال يومًا: بقي من المنافقين كذا وكذا، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشدك الله أنا منهم؟ فقال لا، والله، لا أمنه منها أحدًا بعدك، وقرأ جمهور الناس {معي} بسكون الياء في الموضعين، وقرأ عاصم فيما قال المفضل {معيَ} بحركة الياء في الموضعين، وقوله: {أول} هو الإضافة إلى وقت الاستئذان.
و{الخالفون} جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر غلب المذكر فجمع بالياء والنون وإن كان ثم نساء، وهو جمع خالف، وقال قتادة {الخالفون} النساء، وهذا مردود، وقال ابن عباس: هم الرجال، وقال الطبري: يحتمل قوله: {مع الخالفين} أن يريد مع الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذًا من خلف الشيء إذا فسد ومنه خلوف فم الصائم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل مقحم والأول أفصح وأجرى على اللفظة، وقرأ مالك بن دينار وعكرمة {مع الخلفين} وهو مقصور من الخالفين، كما قال: عردًا وبردًا عاردًا وباردًا، وكما قال الآخر: [الرجز]
مثل النقا لبده برد الظلال

يريد الظلال. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {فإن رجعك الله} أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة، {إلى طائفة} من المنافقين الذين تخلَّفوا بغير عذر.
وإنما قال: {إلى طائفة} لأنه ليس كل من تخلَّف عن تبوك كان منافقًا.
{فاستأذنوك للخروج} معك إلى الغزو، {فقل لن تخرجوا معيَ أبدًا} إلى غَزاة، {إنكم رضيتم بالقعود} عني {أول مرة} حين لم تخرجوا إلى تبوك.
وذكر الماوردي في قوله: {أول مرة} قولين.
أحدهما: أول مرة دُعيتم.
والثاني: قبل استئذانكم.
فأما الخالفون، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص، فقعد في رحله، وهو الذي يتخلَّف عن القوم.
وفي المراد بالخالفين قولان:
أحدهما: أنهم الرجال الذين تخلَّفوا لأعذار، قاله ابن عباس.
والثاني: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن، وقتادة. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي المنافقين.
وإنما قال: {إلى طَائِفَةٍ} لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا عنهم وتاب عليهم؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا، وسيأتي.
{فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدًا.
وهو كما قال في سورة الفتح: {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} [الفتح: 15].
و{الخالفين} جمع خالف؛ كأنهم خلفوا الخارجين.
قال ابن عباس: {الْخَالِفِينَ} من تخلف من المنافقين.
وقال الحسن: مع النساء والضعفاء من الرجال، فغلّب المذكر.
وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين؛ من قولهم فلانٌ خالِفةُ أهل بيته إذا كان فاسدًا فيهم؛ من خُلوف فَم الصائم.
ومن قولك: خلف اللبن؛ أي فسد بطول المكث في السِّقاء؛ فعلى هذا يعني فاقعدوا مع الفاسدين.
وهذا يدّل على أن استصحاب المخذِّل في الغزوات لا يجوز. اهـ.

.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {فإن رجعك الله} يعني فإن ردك الله يا محمد من غزاتك هذه {إلى طائفة منهم} يعني إلى المتخلفين عنك وإنما قال منهم لأنه ليس كل من تخلف بالمدينة عن غزوة تبوك كان منافقًا مثل أصحاب الأعذار {فاستأذنوك للخروج} يعني فاستأذنك المنافقون الذين تخلفوا عنك وتحقق نفاقهم في الخروج معك إلى غزوة أخرى {فقل لن تخرجوا معي أبدًا} يعني فقل يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج وهم مقيمون على نفاقهم لن تخرجوا معي أبدًا لا إلى غزوة ولا إلى سفر {ولن تقاتلوا معي عدوًا إنكم} يعني لأنكم {رضيتم بالقعود أول مرة} يعني أنكم رضيتم بالتخلف عن غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} يعني: مع المتخلفين من النساء والصبيان.
وقيل: مع المرضى والزمنى.
وقال ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر.
وقيل: مع المخالفين يقال صاحب خالف إذا كان مخالفًا كثير الخلاف وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته لأن الله سبحانه وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات. اهـ.